القاضي عبد الجبار الهمذاني
420
شرح الأصول الخمسة
الإقدام على المقبحات ، ويرغبنا في الإتيان بالواجبات ، وإلا كان يكون المكلف مغرى بالقبح والإغراء بالقبيح لا يجوز على اللّه تعالى . فإن قيل : إن بالذم يزول الإغراء ويثبت الخوف ، قيل له : قد مضى ما هو جواب عن ذلك ، فقد ذكرنا أن الذم المجرد مما لا يقع به الاعتداد . فإن قيل : إن ظن العقاب والخوف منه يزيل الإغراء ، فمن أين قطعتم على استحقاق العقوبة من جهة اللّه تعالى ؟ قيل إن ظن العقاب إنما يؤثر في زوال الإغراء متى كان استحقاق العقاب معلوما ثم ظن أنه يفعل به ما يستحقه ، فحينئذ يؤثر في زوال الإغراء ، فأما على خلاف هذه الطريقة فلا . وعلى هذا فإن أحدنا لو أخبر بأن في الطريق سبعا ، فإنه يخاف سلوك ذلك الطرق متى علم مضرة السبع قطعا ، وأنه من الأجناس المضرة المؤذية ، ثم يظن أنه إن سلك تلك الطريق ربما يناله ضرر ، فحينئذ يصرفه ذلك عن سلوك تلك الطريق ، فأما ذلك إذا لم يكن الحيوان من الأجناس المؤذية ، ولا يكون هناك مضرة معلومة ، فإنه مما لا يصرفه من سلوكها ، كذلك هاهنا ، وهذا هو الطريق العقلي . أما الدلالة السمعية في ذلك ، فهو أنه تعالى وعد المطيعين بالثواب ، وتوعد العصاة بالعقاب ، فلو لم يجب لكان لا يحسن الوعد والوعيد بهما ، وقد اعتمد هذه الطريقة أبو القاسم الموسوي ، وقال : لا يصح الاعتماد على غيرها في ذلك ، ونحن قد ذكرنا أن الدلالة العقلية في هذا الباب كالدلالة السمعية في إمكان الاعتماد عليها . شبه الملحدة : وقد تعلقت الملحدة في ذلك بشبه وهي أن قالوا : إن غرض القديم بالتكليف نفع المكلف فإذا لم ينتفع المكلف بتكليف اللّه تعالى إياه ، فليس يجوز أن يعاقب ، وأكثر ما فيه أنه فوت على نفسه النفع ، فكيف يحسن من اللّه تعالى أن يعاقبه لذلك ، وصار الحال فيه كالحال في الأجير إذا فوت الأجرة على نفسه بأن ترك العمل ، فكما أنه لا يحسن من المستأجر أن يجرده للسياط لتفويته الأجرة على نفسه ، كذلك هاهنا . وجوابنا ، أن اللّه تعالى لا يعاقب المكلف لأجل أنه فوت على نفسه النفع بالتكليف ، وإنما يعاقبه لإقدامه على القبيح وإخلاله بالواجب ، ذلك وجه استحقاق العقاب كما في الذم ، ألا ترى أن العقلاء لا يذمون المخل بالواجب والفاعل للقبيح على تفويت النفع بالواجب على نفسه ، وإنما يذمونه لإخلاله بالواجب وإقدامه على